الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

213

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

رفع سائر الحجب الأربعة السابقة . والحاصل : أنّ القلب غير الفاني والمغمور في الطبيعة مثله مثل من أدبر بقفاه عن الجهة المطلوبة ، وهو حينئذ كمن يريد أن يرى وينظر إلى قفاه ، فكما أنه حينئذ يحتاج إلى أن يجعل أولا مرآة في قباله ومرآة في قفاه ، ويواجه المرآة المقابلة لتلك المرآة التي في قفاه حتى ينتقش في هذه المرآة ما في المرآة التي في قفاه ثمّ هو يراه ، فالحقايق والمعارف بوجودها الواقعي كأنها في قفانا وفي قفا المحجوبين ، فلا بد من تحصيل هاتين المرآتين : أما المرآة الأولى : فهو تحصيل المعرفة والعلم بالولاية ، فهذا نظير المرآة المقابلة للصورة . وأما المرآة الثانية : وهو أن يعمل بنحو يؤدّي إلى المطلوب . وبعبارة أخرى : فكما أنه لا بد من مواجهة المرآة في المقابل إلى المرآة التي في قفاه حتى ينتقش فيها ما فيها ، فكذلك لا بد من العمل بما عرفه من الولاية بنحو يوصله إلى ما هو في قفاه وفي حجاب عنه من الأنوار الإلهية والحق والحقيقة ، ثمّ إن توضيح هذا المطلب فيما نحن فيه بنحو يتّضح الأمر هو : أنّ النفس الناطقة الإنسانية بمنزلة المرآة الكروية ، فهي ابتداء ينتقش فيها ما هو قريب منها ، فالنفس نور له الدرك والتصديق بما يدركه ويجده ، والصورة المحاذية لها تختلف قربا وبعدا فهي تستضيء منها عما هو أقرب إليها ، فكلما اشتدت وضوحا وصفاء ونورا ودركا انتقش فيها البعيد ، فربما صارت بعض النفوس في الصفاء بمرتبة تنتقش جميع ما في اللوح المحفوظ ، فأول ما ينتقش فيها وتصدقه هو أن الكل أعظم من الجزء ، وأن النقيضين لا يجتمعان وإنّ الضدين لا يجتمعان ، فإن هذه المدركات تكون حاصلة لها من دون فكر عميق أو رياضة شاقّة ، بل بمجرد التوجه إليها يصدقها . وأما ساير المعارف والتصديقات التي تكون بعيدة عنها ، فتحتاج إلى مرايا أخرى محاذية إلى مرآة نفسه ليرى منها الأشياء وهي ليست إلا العلوم الحقة